عندما ينتمي الإعلام للقضية وليس للوظيفة: تشغيل الأطفال كنموذج


بتاريخ 24 شباط/فبراير 2013 | مصنفة:

صابرين عبد الرحمن
مسؤولة الإعلام- الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال

بدا الاهتمام والتفاعل الذي أظهره الإعلاميون المتدرّبون في الدورة التدريبية التي نظّمتها الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال حول "حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي" واضحاً، حيث تركزت الدورة التدريبية على الربط بين أخلاقيات العمل الإعلامي فيما يتعلق بتناول قضايا الأطفال وتركيزها تحديداً على الدور الذي يجب أن يأخذه الإعلام المحلي على عاتقه في تناول ظاهرة تشغيل الأطفال، وطرحها بجرأة في كافة وسائل الإعلام المحلية، بهدف التصدّي لهذه الظاهرة وتوعية الناس بمخاطرها، وذلك في ظل انتشار ثقافة مجتمعية لا تمانع في كثير من الحالات من تشغيل الأطفال خاصة في المهن والحرف التي تورّثها العائلات لأطفالها بغضّ النظر عن ملاءمتها لإمكانيات الطفل واحتياجاته النفسية والجسدية والتعليمية وغيرها، وفي ظل ثقافة تنظر إلى الأطفال الذكور على أنهم رجال وتتعامل معهم انطلاقاً من هذه القناعات، وفي ظل ظروف اقتصادية وسياسية تدفع بمزيد من الأطفال لسوق العمل.
لم تكن مشاركتي في الدورة التدريبية كإعلامية ممثّلة للحركة العالمية منظِّمة الدورة التدريبية فقط، بل جاءت أيضاً كمهتمّة بقضايا الأطفال بشكل عام سواء من خلال عملي في الحركة العالمية المتخصصة في الجانب الحقوقي المتعلّق بالأطفال، أو من خلال الاهتمام الشخصي بالعمل الثقافي الذي ينتجه الأطفال أو ذلك الذي يستهدفهم، انطلاقاً من قاعدة أن المعرفة لا تتجزّأ.
أستطيع أن أقول أن الاهتمام والتفاعل الذي أبداه الزملاء المتدرّبون ليس فقط بسبب محتوى الدورة حيث أصبح تشغيل الأطفال ظاهرة في المجتمع الفلسطيني، بل كان ذلك أيضاً بسبب اعتماد المدرّبين على أسلوب "إثارة الأسئلة" من خلال تناول حالات دراسية محددة، الأمر الذي وضع المتدربين في معظم الحالات في حيرة بين مَنْ يؤيد –أحياناً- عمل الأطفال استجابةً لبعض الظروف الاقتصادية التي تضع الطفل وذويه أمام معضلة، وبين معارضة هذا العمل بشكل مطلق وتحت أيّ ظروف انتصاراً للأطفال من الناحية الإنسانية أولاً وأخيراً. لكن ما أجمع عليه المشاركون أن مصلحة الطفل هي الحَكَم الأول والأخير في هكذا قضية قد تضعنا أمام بعض التساؤلات.
الانتصار الإنساني للطفولة لم يكن هو الجانب الوحيد الذي أجمع عليه الإعلاميون المشاركون في الدورة، بل كان هناك إجماع أيضاً على ضرورة إيجاد صحافة فلسطينية متخصصة، الأمر الذي سينعكس بالضرورة إيجاباً ليس فقط على جودة المضمون الذي يتم تقديمه في الإعلام المحلّي، بل أيضاً على فاعلية التوعية بالقضايا التي يتم التخصص بها، فكما يؤثر الإعلام بالرأي العام، فهو يتأثر أيضاً بالظواهر المنتشرة في المجتمع والتي تضرّ بفئات مجتمعية محددة– ولا أقصد هنا فقط القضايا الموسمية والآنية.
فمن حق المتضررين من أي ظاهرة أو قضية أن يتناولها الإعلام بشكل معمّق ومستمر، وأن لا تكون تغطيته لها موسمية، كما أن لا يكون الإعلام انتقائياً في تناوله لبعض القضايا دون الأخرى أو حتى تناولها على استحياء، فهناك قضايا تنخر جسد الوطن بهدوء –كما أيّ مرض خبيث- لا يلتفت لها الإعلام بالقدر والعمق الذي تستحقّ، ومن هنا تأتي أهمية الإعلام المتخصص، ومن هنا يأتي الانتماء للقضايا وليس للوظائف.
أربع جهات تتحمّل مسؤولية إيجاد تخصص في الإعلام؛ الإعلاميون أنفسهم أولاً من خلال تعميق معرفتهم بإحدى القضايا والإلمام بكافة جوانبها ومن ثمّ تبنّيها كقضية تستحق المعالجة والمتابعة بشكل مستمرّ طالما هي موجودة وتؤرق المجتمع وتضرّ ببعض فئاته، ومن ثمّ الجامعات والمعاهد التي تحتفل سنوياً بتخريج أفواج جديدة من طلبة الإعلام، فأساسيات العمل الإعلامي ليست كافية لتخريج إعلاميين مستقبليين، ويكون توجيه الإعلاميين المستقبليين في المرحلة الجامعية هو أضعف الإيمان في حال وجود معيقات تحول دون قيام الجامعات بهذا الدور، وأيضاً وسائل الإعلام التي توظّف الإعلاميين، وأخيراً المؤسسات المتخصصة في القضايا التي تحتاج إلى تبنّيها، وهنا يأتي دورها بالبحث عن أنجح الطرق وأكثرها فعالية لاستقطاب إعلاميين ولفت انتباههم لقضايا تستحق المتابعة باستمرار، وليس فقط بشكل موسمي.
قضايا الأطفال ومنها تحديداً قضية عمل الأطفال هي إحدى القضايا التي أصبحت ظاهرة في المجتمع الفلسطيني، ليس فقط بسبب الثقافة المجتمعية في بعض المناطق ولدى بعض الأسر والتي ترى في عمل الأطفال أمراً مقبولاً، بل أيضاً في ظل انتشار البطالة والفقر والوضع السياسي والاقتصادي السيء، الأمر الذي يضطرّ بعض العائلات لتشغيل أطفالها –على الرغم من معرفتهم بأن ذلك يلحق ضرراً بالأطفال وبمستقبلهم. فكم وُضِعنا في مأزق أن نستجيب أو لا نستجيب عندما يعرض علينا أحد الباعة الأطفال آية الكرسي أو باكيت "علكة" يبيعه بنصف شيقل أو "باللي بطلع من نفسك"! وعندما نستجيب نفكّر بأمرين: التعاطف مع الطفل انطلاقاً من حاجته المادية، وأنّ ما يطلبه ثمناً للبضاعة التي يبيعها لن يؤثّر على ميزانيتنا!
ولكن يبدو أن أسئلة أخرى يجب أن نفكّر بها قبل أن نستجيب لعروض الأطفال الباعة: هل هذا الطفل مُستَغَلّ من قبل أحد الكبار من خلال تشغيله؟ وما حجم وشكل الاستغلال الذي يتعرّض له؟ هل يحصل هذا الطفل على حقّه بالتعليم؟ وإن كان فعلاً يحصل على هذا الحقّ، فهل يحصل على حقّه بالراحة واللعب والتواجد الكافي مع والديه وإخوته في بيت الأسرة؟ كيف يؤثر عدم حصوله على هذه الحقوق على نفسيته وتطوّره المعرفي وبالتالي على مستقبله؟ هل يتعرّض هذا الطفل لانتهاكات جسدية وجنسية وإساءة لنفسيته أثناء عمله؟ هل يتناسب العمل الذي يقوم به الطفل مع احتياجاته وقدراته الجسدية والنفسية والمعرفية؟ هل هناك ضمانات لسلامة هذا الطفل أثناء قيامه بالعمل؟ هل يتم تطبيق نصوص قانون العمل وتحديداً الباب السادس الخاص بتنظيم عمل الأحداث (الأطفال من سن 15 حتى سن 18)؟ هل تقوم وزارة العمل من خلال مفتّشي العمل بدورها لضمان حماية حقوق الأطفال العاملين؟ هل تم تفعيل شبكات حماية الطفولة لإنهاء ظاهرة انتشار الأطفال تحت سنّ العمل (أقل من 15 عاماً) في الشوارع وعلى الإشارات الضوئية؟ وأسئلة أخرى كثيرة. كما ويجب أن نتذكّر أن البيع على الإشارات الضوئية للأطفال ليست أسوأ الأعمال التي يعملها الأطفال، فهناك أطفال يعملون في المستوطنات الإسرائيلية الذين هم خارج أي نوع من الحماية وقد يتعرضون للاستغلال حدّ الاتّجار بالبشر، وفي مناشير الحجر، وورش الحدادة والنجارة والميكانيكا، ومصانع المواد الكيماوية وفي جمع النفايات والخردة، ولنا أن نتخيّل حجم الانتهاكات والإساءة والاستغلال والمخاطر التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال في كل دقيقة من عملهم، ولنا بالتالي أن نتخيّل مستقبلهم، وبالتالي مستقبل الوطن.