عام 2012 وانتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين


بتاريخ 1 كانون ثاني/يناير 2013 | مصنفة:

رفعت عوده قسيس
المفوض العام لفروع الحركة في آسيا والهادي والشرق الأوسط
مدير عام الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال/ فرع فلسطين

يعاني الأطفال الفلسطينيون عن غيرهم من أطفال العالم من ازدواجية في انتهاك حقوقهم من حيث الجهات التي تقوم بانتهاك هذه الحقوق وممارستها ضد الأطفال، فمن جهة يتعرض الأطفال الفلسطينيون لانتهاكات حقوقهم التي ضمنتها وكفلتها الأعراف الدولية والتعرّض للعنف والبطش من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من التعليم والصحة وانتهاك حقهم في الحياة وحقهم في مستوى معيشي ملائم، وغيرها من الحقوق، ومن جهة أخرى الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال على الجانب الفلسطيني سواء على مستوى المؤسسة الفلسطينية الرسمية، أو المؤسسة الاجتماعية والتربوية خاصة في العائلة والمدرسة والمجتمع.
سأتناول في مقالتي هذه حالة حقوق الأطفال الفلسطينيين في عام 2012 على مستويين: مستوى الانتهاكات الإسرائيلية من جهة، ومستوى الانتهاكات في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية.

الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الأطفال

تعتبر الحرب الأخيرة التي شنتها دولة الاحتلال على قطاع غزة هي الانتهاك الأكثر بروزاً بحق الفلسطينيين والتي راح ضحيتها الكثير من الأطفال، إضافة إلى الآثار النفسية السيئة عليهم والتي تترك آثارها السلبية بعيدة المدى وتؤثر على مجمل الحقوق الأخرى للطفل كالنماء السليم والتعليم وغيرها من الحقوق.
هذا بالإضافة إلى الانتهاكات المستمرة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، حيث الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين على وجود المستوطنات والجدار والحواجز والقتل وحجز الحريات وتقييد الحركة والاعتقال وسوء المعاملة التي يصل بعضها لحد التعذيب.
بلغ عدد الأطفال الشهداء 42 طفلاً شهيداً في العام 2012 منهم 33 شهيداً في عملية عامود السحاب التي شنتها إسرائيل على غزة، وشهيدان في الضفة الغربية وتحديداً في الخليل، مقارنة بـ 16 شهيد في العام 2011، حسب إحصائيات الحركة.

حسب إحصائيات الحركة العالمية فإن عدد الأطفال الأسرى حتى تشرين الأول 2012 (164) طفلاً أسيراً، بينهم 21 أسيراً تحت عمر الـ 15 سنة، وطفلة أسيرة أنثى. مع العلم أن عدد الأطفال المعتقلين بلغ ذروته في شهر أيار حيث بلغ 234 طفلاً.
ويلاحظ ازدياد حالات اعتداءات المستوطنين على الأطفال مع مرور الأعوام، حيث تمّ رصد 40 حالة اعتداء من قبل المستوطنين حتى تشرين الأول 2012 مقارنة بـ 31 حالة اعتداء لعام 2011، و15 حالة عام 2010.
وفي القدس يواجه الأطفال الفلسطينيون ظروفاً خاصة، فالسياسات الإسرائيلية المدروسة التي تهدف إلى تهويد المدينة وتجريدها من الوجود الفلسطيني فيها تنعكس على الأطفال سلباً، مما يؤدي إلى حرمان الأطفال الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، مثل الحق في الهوية والتعليم حيث الاشتراط الإسرائيلي بالتمتع بالهوية للحصول على الحقوق الأساسية، وتعقيد إجراءات الحصول عليها في ذات الوقت.
تغيّر جديد أُدخِل على الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 1685 خلال عام 2012، حيث تمّ تقليل فترة احتجاز الطفل حتى سن 12 سنة والمعتقل للمرة الأولى قبل عرضه أمام قاضي المحكمة العسكرية من 8 أيام إلى 4 أيام، وقد اعتبرت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال هذا التطور ليس كافياً حيث أن تقليل الفترة لا يشكّل أي نوع من الحماية للطفل المعتقل، ففترة الأربعة أيام الأولى هي الفترة الحرجة للطفل من حيث تعرضه للاستجواب وحالات الإيذاء الجسدي والنفسي خلالها، إضافة إلى حرمان الطفل من حقه بوجود محامي أو مرافقة أحد الوالدين له في هذه الفترة.
ورغم هذا التغير على الأمر العسكري، إلا أنه ما زال هناك تمييز عن القانون المطبّق على الأطفال المعتقلين الإسرائيليين، حيث ينصّ على أن فترة الاحتجاز للأطفال دون 14 عاماً هي 12 ساعة، و24 ساعة للأطفال الأكبر سناً.

انتهاكات حقوق الأطفال في مناطق السلطة الفلسطينية

وفيما يتعلق بحالة حقوق الأطفال الفلسطينيين في مناطق السلطة الوطنية، وبالرغم من المتغيرات الإيجابية على عدة أصعدة خاصة فيما يتعلق بنظرة كافة الأطراف العاملة مع الأطفال، ووجود لمحاولات للنظر لقضايا الأطفال من زاوية مصلحة الطفل الفضلى عند الممارسة وتطبيق القانون حيث ارتفاع مستوى الوعي لدى صناع القرار، إلا أن هذا لا يعني الوصول إلى تحويل حقوق الطفل - كما أقرتها الشرعية الدولية عبر الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وكما أقرها قانون الطفل الفلسطيني- إلى واقع قابل للتطبيق والقياس بشكل فعلي.

من أبرز التطورات على صعيد حقوق الأطفال في خلاف مع القانون، عمدت الحركة العالمية وبالشراكة مع الإدارة العامة للشرطة الفلسطينية، ووزارة الشؤون الاجتماعية على مدى عام 2012 إلى عقد ورش عمل حقوقية داخل النظارات ومراكز الإصلاح والتأهيل ودور الرعاية والملاحظة وذلك للأطفال النزلاء من جهة والقائمين على دور الرعاية من جهة أخرى، وذلك بهدف توعية الأطفال في خلاف مع القانون بحقوقهم من جهة، وصياغة لائحة حقوق وواجبات بين الأطفال والعاملين معهم.

حصل تقدم واضح في حالة حقوق الطفل على عدة مستويات، وذلك من خلال عمل الحركة العالمية مع غيرها من مؤسسات المجتمع المدني، وبالشراكة مع المؤسسات الحكومية.
ومن التطورات التي طرأت على موضوع حقوق الأطفال هو استحداث شبكتيّ حماية الطفولة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في كل من أريحا وقلقيلية، وذلك كإضافة إلى خمس شبكات حماية الطفولة موجودة أصلاً في خمس محافظات، ويمكن اعتبار ذلك تطور واضح على الرغم من الحاجة إلى تطوير الشبكات ورفع قدرات منسقيها لتأخذ دوراً أكبر.
وفيما يتعلق بالشرطة، تم تعميم أقسام شرطة للأحدث في كافة المحافظات، ويتم تدريبهم من قبل جهات متخصصة في مواضيع عدالة الأطفال، حيث حاجة هذا الجهاز إلى تطوير رؤية عمل له لتطبيقها عند تنفيذ مذكرات الإحضار للأطفال في خلاف مع القانون. وإحالة كافة ملفات الأطفال في خلاف مع القانون لهذا القسم.

أما عن القضاء، ورغم عدم وجود محاكم متخصصة للأطفال، لكن نجد تطوراً من قبل عدد من القضاة حيث التعامل بخصوصية مع الأطفال في خلاف مع القانون، حيث هناك تطور في رؤيا القضاة تجاه هذه الفئة أكثر من مجرد اتّباع السياسات العامة. فيما لم يشهد العام أي تطور بشأن إيجاد نيابة متخصصة في قضاء الأحداث.
أما عن الجانب الإحصائي، فتظهر إحصائيات الإدارة العامة لشؤون الأسرة في وزارة الشؤون الاجتماعية أن عدد الأطفال الذين تعرضوا للإساءة حتى شهر آب من عام 2012 بلغ  391 طفلاً وطفلة في كافة محافظات الوطن، حيث تنوعت الإساءة بين جنسية وجسدية واستغلال اقتصادي وإهمال وسوء معاملة عاطفي. أما إحصائيات الإدارة العامة للرعاية والتأهيل في الوزارة فأشارت إلى وجود 1387 طفلاً ذكراً في خلاف مع القانون تمّ إحالتهم إلى مراقب السلوك في العشر أشهر الأولى من العام، و18 طفلة، وقد تركز معظمهم في محافظة رام الله، وكانت النسبة الأعلى من أعمارهم بين 16-18 سنة. فيما تظهر إحصائيات الشرطة أن عدد الأطفال الذين تم توقيفهم في نظارات الشرطة 1642 طفلاً.

ويؤشر التناقض في الإحصائيات الواردة من الجهات المختصة العاملة مع الأطفال إلى أهمية وجود قاعدة بيانات وطنية تتعلق بعدالة الأطفال.

أما الإحصائيات التي جمعها مجلس أطفال الحركة من خلال مجموعة الباحث الصغير والتي عملت تحت إشراف الحركة، فأشارت إلى رصد وفاة واحدة وإصابة  أكثر من 20 طفلاً  نتيجة إهمال أسري ومجتمعي وتقصير مؤسساتي، وتمت عملية الرصد هذه من خلال المتابعة الإعلامية للوكالات والصحف الفلسطينية.

الخاتمة
بالرغم من التطور الحاصل على كافة مناحي العمل مع الأطفال، إلا أن الوضع ما زال بعيداً عن الكمال وهو بحاجة إلى تحسينات مستمرة؛ فتعدد وتعقّد التشريعات والقوانين المتبعة، إضافة إلى الإجراءات والقوانين الإسرائيلية والفصل بين الضفة الغربية وغزة، كل ذلك يجعل من إمكانيات التطوير والتنمية محدودة. إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعصف بالبلاد والإضرابات التي تشل مرافق الحياة، مما يجعل إمكانيات النهوض بأوضاع الأطفال صعبة للغاية. هذا من جهة، أما عن عمل المؤسسات الأهلية العاملة مع الأطفال فقد أصابها التراجع أيضاً نتيجة لمحدودية التمويل والتمويل المشروط المرفوض من غالبية هذه المؤسسات. فنحن بحاجة إلى إعادة نظر وتحديد أكثر للأولويات، وتنسيق أنجع بين المؤسسات ومع مؤسسات السلطة للمحافظة على الإنجازات وعدم العودة للوراء.