رهائن المحبسين...أطفال غزيون التهم العدوان من أجسادهم


بتاريخ 25 آب/أغسطس 2015 | مصنفة:

رام الله 25 آب 2015 – لطالما كان الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا في الحروب، فإما يقتلون أو يصابون بتشوهات وإعاقات دائمة تلحق ضررا كبيرا بصحتهم النفسية والجسدية، الأمر الذي يؤثر على مختلف مناحي حياتهم بما في ذلك تحصيلهم العلمي.

وبعد مرور عام على العدوان الأخير الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة، وأطلقت عليه عملية "الجرف الصامد"، ما زال الآلاف من المصابين، بينهم أطفال، يعانون جراء ما لحق بهم من إصابات وتشوهات، ويحاولون الاندماج في المجتمع ثانية بعد أن أصبحوا رهائن إعاقاتهم، والأثر النفسي الذي لحق بهم جراء ذلك.

وأسفر العدوان عن مقتل 2220 فلسطينيا، من بينهم 1492 مدنيا على الأقل، وأصيب 3374 من ضمنهم أكثر من ألف طفل تعرضوا لإعاقات مستديمة بسبب الإصابة، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

ووثقت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، من ضمن هؤلاء، ما يقارب من 30 طفلا في قطاع غزة أصيبوا بحالات تشويه أو إعاقات دائمة جراء العدوان الإسرائيلي الأخير.

ومن هذه الحالات الطفل إبراهيم أبو شباب، من رفح، الذي يدرس في الصف السادس الإبتدائي، وأصيب خلال العدوان الأخير بشظايا في رقبته بالقرب من العصب وتهتك في عظم الفخذ الأيمن وسقوط بالقدم اليمنى، إضافة لشظايا صغيرة في باقي أنحاء جسمه، وقد وصفت إصابته وقتها بالخطيرة جدا.

وتقول والدته، للحركة العالمية، إن إبراهيم خضع لعدة عمليات جراحية، وقد تغيب عن دراسته لمدة 3 شهور تقريبا جراء ذلك، الأمر الذي أثر على مستواه الدراسي، حتى أنه رسب في 3 مواد في شهادة الفصل الأول، مشيرة إلى أن مستواه قبل الحرب كان جيدا جدا، لكن بعد الحرب صار مستواه أقل بكثير.

وتضيف أن إبراهيم يعاني أثناء توجهه للمدرسة بسبب استخدامه العكازات حتى الآن، وهو في بعض الأحيان يقول إنه لا يريد أن يكمل دراسته، فحالته النفسية سيئة جدا بسبب إصابته وبسبب استشهاد شقيقه محمود، مبينة أنه في بعض الأحيان يتكلم بصوت عال أثناء نومه أو يصرخ، ويخشى النوم في غرفة مظلمة، خاصة في ظل الانقطاع المتكرر للكهرباء في القطاع، وقد أصبح عصبيا وعنيفا مع أصحابه وأفراد أسرته، بعد الإصابة، بسبب عدم قدرته على اللعب والجري كما في السابق.

إبراهيم يتلقى حاليا دروسا خاصة، في مؤسسة "طيبة" التعليمية، لتحسين مستواه الذي تراجع بسبب الإصابة، ويدرس معه في المؤسسة ذاتها شقيقه عبدالله حتى يساعده في التحرك والتنقل.

وتقول والدته إنها عندما تسأله عن الأحلام التي يشاهدها في نومه، يجيبها أنه يحلم بيوم القصف الذي أصيب خلاله واستشهد فيه شقيقه محمود، وأنه يلعب ويركض كما كان قبل الإصابة.

أما الطفل بلال الشرافي (11 عاما)، من مدينة غزة، فقد أصيب بشظايا في مختلف أنحاء جسده جراء قصف طائرات الاحتلال منزل عائلته خلال العدوان، والذي أسفر أيضا عن استشهاد والدته وشقيقه.

مكث الطفل الشرافي في المستشفى ما يقارب من شهر بسبب خطورة إصابته، ومن ثم حول إلى ألمانيا لوحده دون مرافق، لاستكمال العلاج.

ويقول الطفل الشرافي: "قبل الحرب أنهيت الصف الرابع الابتدائي، وكانت الفترة إجازة لما صارت الحرب وتصاوبت، وكان من المفترض أن أترفع للصف الخامس، لكن بسبب إصابتي وتحويلي للعلاج في ألمانيا التي مكثت فيها 10 شهور، فقدت السنة الدراسية، فعندما عدت كان العام الدراسي قد انتهى".

ويضيف: "أنا كنت شاطر بالمدرسة ومعدلي جيد جدا، لكن السنة راحت علي، مش عارف شو أعمل، بداية السنة الجديدة رح أسجل مع أولاد الصف اللي أصغر مني بسنة".

الطفل ثائر جودة ( 10 أعوام) من جباليا البلد، بترت رجله اليمنى وأصيب بعدة شظايا في جسده، وتهتك باليدين، بعد أن قصفت طائرة استطلاع إسرائيلية حوش منزل عائلته خلال العدوان الأخير على القطاع، كما أدى القصف لاستشهاد والدته وأربعة من أشقائه.

نقل الطفل جودة إلى ألمانيا للعلاج، ومكث هناك ما يقارب من 10 شهور، جرى خلالها تركيب طرف صناعي له بدل رجله التي بترت وتدريبه على استخدامها.

ويقول: "اليوم لازم أخلع رجلي اليمين قبل النوم وأنظفها، ولازم كل فترة يتم تغييرها علشان أنا بكبر وبتصير مش مناسبة لجسمي".

ويضيف الطفل جودة: "لقد فقدت السنة الدراسية 2014/2015 بسبب تواجدي في ألمانيا للعلاج، وأتمنى أن أصبح طبيبا عندما أكبر حتى أعالج المرضى، أمنيتي ان أعود لحياتي الطبيعية ومدرستي".

أويس قدورة ابن الستة أعوام، أصيب بشظايا في قلبه وحوضه جراء قصف مدفعي إسرائيلي طال منزل جده في جباليا البلد، الذي فر إليه مع عائلته خوفا من أن يطال القصف الإسرائيلي منزل الأسرة، كما أسفر القصف عن استشهاد شقيقيه، وإصابة والدتهم.

حول أويس بعد حوالي شهرين من إصابته إلى ألمانيا وهناك أجريت له عمليتان جراحيتان، الأولى في قلبه لاستخراج الشظية، والثانية لتثبيت حوضه، وبعد ما يقارب شهر من العلاج عاد إلى قطاع غزة.

ويقول والده إنه وزوجته كانا يخشيان من إرسال أويس إلى المدرسة، التي فتحت أبوابها عقب انتهاء الحرب، حيث كان يدرس في الصف الأول الابتدائي، ولم يكن بعد قد حول إلى ألمانيا، بسبب صعوبة حالته وخوفا من أن تؤثر حركته على وضعه الصحي.

ويضيف الوالد أنه خشي كذلك أن يفقد ابنه السنة الدراسية، فكان يرسله بواسطة مركبة إلى المدرسة، لكن أويس لم يكن باستطاعته الدوام يوميا بسبب الإصابة، فقد كان يعاني أثناء تحركه، كذلك لم يكن يركز جيدا مع معلمته، فبعض الأحيان كان يمكث في الصف نصف ساعة فقط ومن ثم يعود للمنزل.

ويتابع الوالد أنه بعد عودة أويس من ألمانيا حاول اللحاق بنظرائه في الصف حتى يستطيع تقديم الامتحانات والنجاح فيها.

أما بالنسبة لوضع أويس النفسي، فقال والده إنه أصبح أكثر عصبية، وصار عنيفا مع أفراد أسرته، وقليل الكلام، ويحب الوحدة.

أما الطفلة منار الشنباري (15 عاما) من جباليا البلد، التي توفي والدها قبل العدوان، فأصيبت بجروح بالغة في قصف استهدف مدرسة بيت حانون الإبتدائية المشتركة "أ" خلال العدوان على غزة، أسفر كذلك عن استشهاد والدتها وثلاثة من أشقائها.

بترت رجلا منار جراء الإصابة، وتقول "بعد القصف استيقظت وأنا في المستشفى وعدد من الأطباء يحيطون بي، لم يكن لي رجلان، رجلي اليمين بترت من فوق الركبة واليسرى من تحت الركبة، ما أصعب أن تستيقظ ولا تجد رجليك".

نقلت منار إلى الأردن لاستكمال العلاج، ومكثت هناك حوالي ثلاثة أشهر، حيث تم تركيب طرفين صناعيين لها وتدريبها على استخدامهما.

وبعد عودتها إلى غزة تم تسجيلها في مدرسة الفالوجة الثانوية للبنات في معسكر جباليا، وتقول: "مديرة المدرسة كانت تعرف حالتي فقامت بإنزال الصف من الطابق العلوي إلى الأرضي، أما أثناء الفسحة بين الحصص فلا أخرج حتى لا تتفرج علي الطالبات".

وفي شهر أذار من العام الجاري، توجهت الطفلة منار إلى الأردن مرة أخرى بغرض المراجعة الطبية، ومكثت حوالي شهرين، وتقول: "عندما عدت كان لم يتبق على امتحانات نهاية العام سوى 3 أيام وأنا غير مستعدة، ولكن مديرة المدرسة أخبرتني أنها ستساعدني بسبب حالتي الصحية، وبالفعل نجحت في الصف الأول الثانوي، وأنا نفسي لما أكبر أصير معلمة رياضيات".

تتجنب الطفلة منار الخروج من المنزل رغم أن الأطباء طلبوا منها أن تسير على الأقل ساعة في اليوم على رجليها الصناعيتين، إلا أنها تفضل أن تفعل ذلك في المنزل حتى لا يراها الناس، كما تقول.

الشقيقان وسيم (16 عاما) وإبراهيم خطاب (10 أعوام) من دير البلح، أصيبا في قصف إسرائيلي استهدف عددا من المواطنين كانوا تجمعوا حول منزل جرى قصفه في منطقة سكناهم.

أصيب وسيم بجروح بالغة في رجله اليمنى استدعت وضع بلاتين فيها، ما جعلها أقصر من اليسرى بحوالي 3 سم.

ويقول: "صرت بحاجة لحذاء طبي بنعل أعلى حتى تصبح رجلي اليمنى بنفس طول اليسرى وأقدر على المشي، بتعب كثير بالمشي، وعشان هيك ما بمشي لمسافات طويلة".

ويضيف: "لما بدأت الحرب كنت قد أنهيت الصف التاسع في مدرسة ذكور دير البلح الإعدادية ومن المفترض أن أترفع للصف العاشر، لكن بعد إصابتي وتحويلي للعلاج بالخارج بقيت في ألمانيا سنة، ففقدت العام الدراسي، واليوم عندما أرى أصدقائي أنهوا العاشر أشعر بغضب على حالي".

أما إبراهيم، الذي أنهى الصف الثالث الابتدائي قبل العدوان، فبترت رجله اليسرى، وقد تم تركيب طرف صناعي له في ألمانيا، وقد فقد الفصل الدراسي الأول نتيجة وجوده في الخارج لاستكمال العلاج، لكنه سجل بالفصل الدراسي الثاني.

ويقول شقيقه إن مستوى إبراهيم الدراسي تراجع، وأصبح يعاني من مشكلة في النطق خاصة في حرف الراء، وهذا سبب له عدة مشاكل في الدراسة، مضيفا أن الأطباء قالوا إن الحالة التي يعاني منها إبراهيم سببها الخوف.

ويقول أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى الدكتور فضل أبو هين إن الطفل الذي يعاني من تشوه أو إعاقة دائما يتصور الكمال، أي الإنسان الكامل القادر على فعل كل شيء الحالم بمستقبل أفضل، لكن بفعل الإصابة التي أدت لفقدانه جزءا من جسمه، أصبح يشعر بغياب القدرة والمستقبل، كما يشعر بشكل مستمر بالأزمة والنقص، في كل مرة ينظر فيها إلى المرآة، وبالتالي هو يعايش جروحه التي لا تندمل، التي تمنعه من الشعور بالاستقرار وتضعه في حالة من التوتر والغضب الشديدين.

وحول التعليم، بين أبو هين إنه لوحظ تراجع في المستوى التعليمي عند الأطفال ما بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، فأصبحت مناظر القصف والأشلاء والدمار مرسومة في عقولهم وبالتالي هم يعانون من غياب للتركيز والميل للتفكير في التجربة التي مروا بها، وهذا الأمر يمنعهم من المواظبة على دروسهم ويؤثر على تحصيلهم العلمي.