خيال إسرائيل وملاحظات على ديمقراطيتها الأسطورية


بتاريخ 10 تموز/يوليو 2013 | مصنفة:

 رفعت عودة قسيس
المفوّض العام للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
مدير عام الفرع الفلسطيني

جاءت ملاحظات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل رداً على التقرير الذي قدّمته إسرائيل، بمثابة صفعة قوية جداً لدولة الاحتلال وأنظمة "العدالة" فيها، فقد حملت هذه الملاحظات التي جاءت في 79 نقطة انتقادات قوية لم يسبق لأي جهة أممية ومنظمة من منظمات الأمم المتحدة تقديمها ضد إسرائيل، وقد تمحور الرد ليس فقط حول احتلالها لأراضي الغير وعنصريتها، بل امتد أيضاً ليشمل ادّعائها بأنها أفضل من العديد من دول العالم، وأنها واحة الديمقراطية والحضارة في الشرق الأوسط، وليؤكد التقرير أن هذه الديمقراطية ما هي إلا ادّعاء.

وبالعودة إلى رد اللجنة الذي أصدرته في جلستها الثالثة والستين، وبعد دراسته بتروٍ أفصّل الرد في أربعة بنود رئيسية تشكّل كلها إدانة واضحة لإسرائيل كاحتلال وكممارسات عنصرية، وهي تتركز في التالي:

إسرائيل دولة استعمارية
فقد أكدت اللجنة في معرض ردّها على عدم شرعية الاحتلال ومظاهره المختلفة وإدانتها له على مطالبة إسرائيل ليس فقط بإنهاء الاحتلال بل أيضاً بالانسحاب من جميع المستوطنات والكف عن نقل سكانها إلى المناطق المحتلة للاستيطان فيها. وتذهب اللجنة إلى أبعد من ذلك في انتقادها لإسرائيل وذلك لعدم تقديمها في التقرير الذي قدّمته للجنة أية معلومات عن فلسطين المحتلة ومرتفعات الجولان السوري المحتل وعن وضع الأطفال الذين يعيشون في هذه المناطق (البند الثالث، نقطة 7)، حيث تتجاهل بذلك أنها دولة احتلال وأنها تُخضع الملايين من سكان المناطق المحتلة لسيطرتها وسياساتها.

إسرائيل دولة عنصرية
تنتقد اللجنة إسرائيل لممارسة العنصرية ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني، بل أيضاً ضد قطاعات أخرى من المجتمع الإسرائيلي نفسه بما في ذلك المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي؛ حيث أكّدت اللجنة بأن مخصصات الميزانية، بما في ذلك الميزانية المكرسة للصحة، لم تعد تميز ضد العائلات العربية الإسرائيلية وأطفالهم فقط، بل تعدتها لتميز ضد أطفال منتمين للطبقات والفئات المحرومة والمستضعفة لا سيما البدو والإثيوبيين، وكذلك أطفال العمال المهاجرين وطالبي اللجوء. (البند الرابع، النقطة 14/C)

وأعربت اللجنة عن قلقها بأن عدم التمييز ليس منصوص عليه صراحة في القوانين الأساسية في إسرائيل، وعن قلقها أيضاً إزاء اعتماد المزيد من القوانين التمييزية خلال الفترة المشمولة بالتقرير والتي تؤثر على الأطفال الفلسطينيين في المقام الأول في جميع جوانب حياتهم، كما أنها تميّز ضد الأطفال العرب في إسرائيل، والبدو، والأطفال الإثيوبيين، إضافة إلى أطفال العمال المهاجرين وطالبي اللجوء. وتشعر اللجنة بقلق عميق إزاء إنشاء وسائل منفصلة لخدمات النقل والطرق وكذلك تنفيذ نظامين قانونيين منفصلين حيث تصل إلى الفصل الفعلي، وتؤدي إلى عدم إمكانية المساواة بين الأطفال اليهود والفلسطينيين في التمتع بحقوقهم. (البند الرابع، نقطة 21)

كما كتبت اللجنة عن شعورها بالقلق من أن متوسط الإنفاق لكل طفل في التجمعات العربية أقل من الثلث مما هو عليه في التجمعات اليهودية، وأن فشل إسرائيل بأن تأخذ في الاعتبار عدم تكافؤ مستوى الموارد المقدمة إلى النظم الصحية يزيد من مستوى الفوارق المستمرة فيما يتعلق بالمؤشرات الصحية بين الأطفال العرب واليهود (البند الرابع، نقطة 13).

إسرائيل دولة انتهكت كافة مبادئ اتفاقية حقوق الطفل
اتهمت اللجنة إسرائيل بانتهاك المبادئ الأربعة الرئيسية لاتفاقية حقوق الطفل دون أي استثناء، فقد تحدثت اللجنة عن انتهاك إسرائيل لمبدأ عدم التمييز (البند الثالث، نقطة  C/21، والبند الرابع، النقاط 29، 30، 49، 61)، وانتهاك مصالح الطفل الفضلى (البند الثالث، نقطة 23)، إضافة إلى انتهاك الحق في الحياة والبقاء والنمو (البند الثالث، نقطة 25)، والحق في المشاركة (البند الثالث، نقطة 27).
 
إسرائيل دولة غير ديمقراطية
ومن النقاط الجريئة التي تضمنها رد لجنة حقوق الطفل حول التقرير الإسرائيلي التأكيد على أن إسرائيل تقوم بالعديد من الممارسات غير الديمقراطية  مثل الممارسات الضارة ضد الأطفال، واستخدام العقاب البدني والعنف ضد الأطفال، وتطبيق بعض القوانين الدينية المستندة على الشريعة اليهودية، وعدم الشفافية، إضافة إلى انتشار بعض المظاهر السلبية مثل الفقر، والآثار المترتبة على خصخصة الخدمات والبنية التحتية؛ ففي (البند الرابع، نقطة 14 /ب) أكدت اللجنة أنه ليس هناك شفافية في وضع الميزانية  وبطريقة تشاركية من خلال إجراء حوار عام مع المجتمع ولا سيما مع الأطفال، وعدم وجود مساءلة مناسبة من قبل السلطات المحلية للموازنات الموضوعة، حيث يعتبر ذلك من أهم مظاهر الديمقراطية.

وفي سياق المؤسسات الأهلية وبربطها بموضوع حماية حقوق الطفل، كتبت اللجنة بأن إسرائيل لا تحترم المجتمع المدني، حيث أعربت اللجنة عن أسفها لعدم توافر معلومات كافية بشأن إشراك المجتمع المدني في إعداد تقرير الدولة الطرف (إسرائيل)، وأن المنظمات غير الحكومية لا تشارك بصورة منتظمة في تخطيط السياسات والقوانين للأطفال كما أقرت به الدولة الطرف في تقريرها. وعلى الجانب الفلسطيني الخاضع لسلطة الاحتلال، تعرب اللجنة عن قلقها من أن إسرائيل تنظر للمنظمات غير الحكومية الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبشكل متزايد كتهديد للأمن القومي وتخضعها لجملة من المضايقات كالإغلاق والتعطيل واعتقال وحرمان موظفيها من تصاريح العمل. كما وتشعر اللجنة بالقلق أيضاً إزاء الحرمان من تصاريح العمل للأجانب العاملين في المنظمات الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أن هذه القيود التي تمارسها إسرائيل موجودة فقط في الأنظمة القمعية (النقطة 17).

وفيما يتعلق بالقوانين الدينية المستمدة من الشريعة اليهودية، أوصت اللجنة بأن تكفل إسرائيل "بقدر الإمكان، احترام حق الطفل في أن يعرف هوية والديه في حالة كونه مُتبنياً أو مولوداً خارج إطار الزواج ولم يُعتَرَف به أيٌّ من والديه"، حاثّة إياها على ضمان أن تكون القوانين الدينية متماشية مع الاتفاقية التي تتضمن عدم استخدام اللغة المهينة كتوصيف الأطفال المولودين خارج إطار الزواج  بأطفال الحرام وغير الشرعيين (النقطة 32).

وخلال حديث اللجنة عن العقاب البدني أوصت اللجنة إسرائيل باتخاذ تدابير فعالة للقضاء على العقاب البدني والنفسي بما في ذلك نتائجه من خلال تنفيذ التوعية العامة والمهنية من خلال برامج وحملات، وتعزيز أشكال إيجابية وغير عنيفة في تربية الأطفال والانضباط كبديل للعقاب البدني، وإنشاء آليات شكاوى للطفل.

كما قالت اللجنة أنها تشعر أن الفقر بين الأطفال ارتفع على مر السنين، وأن واحداً من أصل ثلاثة يعيش تحت خط الفقر أو على حافة منه. إضافة إلى خصخصة الخدمات الاجتماعية ومحدودية الوصول إلى الخدمات المجانية التي تزيد من الصعوبات عند الأطفال وأسرهم (البند الرابع، نقطة 57).

وفيما يتعلق بممارسات إسرائيل بشأن المياه، أشارت اللجنة إلى نقص المياه الشديد الذي يواجه الأطفال الفلسطينيين وأسرهم والأطفال البدو في النقب بسبب الحظر على الوصول إلى الموارد الطبيعية، وفرض قيود على استخدام المياه وتدمير الخدمات بما في ذلك الطرق التقليدية في الحصول على الماء كاستعمال الصهاريج. ناهيك عن معارضة سلطات الدولة لإنشاء مرافق معالجة مياه الصرف الصحي في القدس الشرقية، وتوفير فرص الحصول على مياه الشرب النظيفة والصالحة للشرب للأسر البدوية والأطفال الذين يعيشون في ما يسمى بـ "القرى غير المعترف بها" حتى في الحالات التي  قضت المحكمة العليا بأن القرى يجب أن تحصل على المياه (البند الرابع، النقطة 59).

وبشأن التعليم، أوصت اللجنة إسرائيل بالتوقف عن مطالبة الوالدين بدفع الرسوم والتبرعات غير الرسمية الأخرى لتعليم أطفالهم، واتخاذ التدابير الضرورية للتنفيذ الفعلي لقانون التعليم الإلزامي وضمان أن التعليم يظل مجاناً (نقطة 62)، كما كررت اللجنة قلقها من محدودية التربية المدنية التي تحث على السلام في إسرائيل وأن هناك عسكرة واسعة  للنظام التعليمي. إضافة إلى إزالة معلومات هامة عن التاريخ الفلسطيني والتراث والعلم والمدن من الكتب المدرسية التي وزعت في عام 2011 لجميع المدارس الخاصة والحكومية في القدس الشرقية، (نقطة 65).

ويذكر التقرير أنه إضافة للممارسات التي تدلل على عدم تمتّع إسرائيل بالديمقراطية التي تدّعيها، أنها أيضاً متخلفة عن العديد من الدول، حتى غير الديمقراطية  منها، من حيث عدم تصديقها على بعض الاتفاقيات الدولية الهامة كما أفادت اللجنة، وفي هذا المضمار أوصت اللجنة بأن تقوم إسرائيل ومن أجل مواصلة تعزيز إعمال حقوق الطفل، التصديق على جميع المعاهدات الأساسية لحقوق الإنسان والتي هي ليست طرفاً فيها بعد، وهي البروتوكول الثالث الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إجراء الشكاوى الفردية، واتفاقية الاختفاء القسري، وكذلك البروتوكولين الاختياريين للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية، والحقوق الاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ( نقطة 75).

وفي الختام أود التأكيد على أن أهمية ملاحظات اللجنة الدولية تحمل عدّة أوجه، فهي لا تكشف فقط التكتيكات الاستعمارية الإسرائيلية، وسياساتها العنصرية؛ وانتهاكاتها الخطيرة والعديدة لحقوق الإنسان وخاصة حقوق الأطفال، وضعف الشفافية، وتقييد الحريات المدنية، وعدم العدالة الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تكشف أيضاً ادعاءات إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية وتقدمية وبأنها تشكل وضعاً استثنائياً في هذه المنطقة من العالم. ولا بدّ من التأكيد على أنه أصبح من المعروف أن لجنة حقوق الطفل هي صوت جسور وقوي، وأن قوة ملاحظاتها تُظهِر أنه أصبح من غير المقبول تجاهل انتهاكات إسرائيل المتكررة، وأن الوقت قد حان لمحاسبتها.