العدالة التصالحية كأحد بدائل العدالة الجنائية بالتعامل مع الأطفال في خلاف مع القانون


بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2013 | مصنفة:

وحدة عدالة الأطفال/ الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال

نتيجة للتطور الكبير في مجال حقوق الإنسان عالمياً كإقرار الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (الإعلان العالمي والعهدين الدوليين واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية حقوق الطفل)، بدأت في المقابل نهضة حقوقية عصرية لحماية حقوق الإنسان وخاصة حقوق الطفلعلى اعتبار أن الطفولة هي المخزون الإستراتيجي للشعوب وبالتالي قادة المستقبل.

وضمن هذه النهضة اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدداً من القواعد القانونية لحماية الأطفال في نزاع مع القانون، وتطورت النظرة لهذه الظاهرة، حيث أصبح يتم النظر لها باعتبارها ظاهرة اجتماعية تقتضي الرعاية والعناية والتأهيل لا العقاب والتجريم، فالطفل في نزاع مع القانون يعتبر في نظر الفقه والعلم الجنائي الحديث ضحية عوامل وظروف شخصية وبيئية، اقتصادية واجتماعية، أثرت في سلوكه، فدفعت به إلى التماسّ مع القانون، وإذا أردنا الوصول إلى عدالة متكاملة وشاملة لظاهرة لأطفال في نزاع مع القانون، فلا بد من  العمل على تجنيب الأطفال قدر الإمكان الدخول في الإجراءات القضائية، والبحث عن البدائل، ومن بين البدائل جاءت فكرة العدالة التصالحية، وهيفكرة مبنية على أن الطفل هو ضحية ويحتاج إلى حماية وتأهيل، بحيث يتم العمل بنهج العدالة التصالحية بالتوازي مع المضيّ قدماً في بناء نظام قضائي متخصص في العمل مع قضايا هذه الفئة.

ويعتبر الأخذ بنهج العدالة التصالحية الأنسب في شأن الأطفال في نزاع مع القانون وأكثر مراعاةً لتحقيق مصالحهم الفضلى وتأهيلهم لتسهيل إعادةدمجهم في المجتمع من جديد، والقيام بدور بناء فيه، وعدم العودة لانتهاك القانون من جديد، بعكس السياسة التقليدية في العدالة الجنائية، والتي لا تعطي وزناً كافياً للظروف الشخصية والموضوعية للطفل، وتركز على العقاب والتجريم عن كل فعل مخالف دون النظر إلى بدائل إصلاحية بحق الطفل المدان.
العدالة التصالحية هي توجّه بديل للإجراء الجنائي العادي في حالات معينة. فإلنظام القضائي ليس هو الأجراء الوحيد الذي يجب أن يعالج ظاهرة الأطفال في نزاع مع القانون في كل الحالات. ففي حالات معينة من الأفضل إجراء حوار ووساطة بين الجناة والمجني عليهم، بهدف التوصل لتصحيح الضرر وتأهيل الطفل الجاني وفق تدابير خارج النظام القضائي.
وتهدف العدالة التصالحية أساساًإلى إصلاح الضررالذي أحدثه العمل المخالف للقانون وتعويض المجتمع والضحية، والعمل على إعادة دمج الطفل المخالف للقانون في المجتمع. بعكس الصلح العشائري الذي يركز على تحميل الجاني وعائلته المسؤولية عن الفعل الجاني وتجبرهم على التعامل مع نتائج أفعاله الإجرامية عن طريق التعويض عن الضرر الذي لحق بالمجني عليه، ويركز دائماً على الردع والعقاب، وغالباً ما ينتهي بتحميل عائلة الجاني المسؤولية وإلزامها بالتعويض، بعيداً عن القانون أو التشريع المعمول به.
وحيث أن ظاهرة الأطفال في خلاف مع القانون هي ظاهرة مجتمعية لذا تتطلب تكامل الأدوار داخل المجتمع للحدّ منها، بحيث يكون للمجتمع الدور الأبرز من خلال تهيئة سبل التوفيق والتصالح. فالعدالة التصالحية تحمل الطفل مسؤولية عن فعله وإعطائه الفرصة لفهم تأثير أفعاله المخالفة للقانون على الطرف الآخر ومساعدته وتأهيله وإعادة دمجه في المجتمع، ولتعزيز ثقته بنفسه وبالمجتمع الذي يعيش فيه، بالتالي تقوم العدالة التصالحية على فكرتين أساسيتين:
- إعادة الحال إلى ما كانت عليه من خلال إصلاح الضرر، ففكرة التعويض واحتواء الطفل هي إحدى ركائز هذا النظام بحيث يصبح الطفل مرتكب المخالفة القانونية هنا مسؤولاً بشكل مباشر.
- احتضان المجتمع للطفل من خلال إعادة العلاقة مع المجتمع، أي أن للمجتمع والضحية دور في هذا النظام وتأهيل الطفل في خلاف مع القانون لضمان عودته كفاعل إيجابي في المجتمع.

أما بالنسبة لآلية عمل نظام العدالة التصالحية باعتباره بديلاً للإجراء الجنائي العادي، فيكون من خلال الحوار والتواصل بين الجناة والمجني عليهم بوساطة أفراد المجتمع المحيط أو إحدى مؤسساته، بهدف التوصل إلى تصالح لتصحيح الضرر، حيث يهدف اللقاء إلى الاستجابة لاحتياجات المجني عليهم،ومن تمكين الجناة من تحمل المسؤولية تجاه أفعالهم ومنحهم الفرصة للتأهيل والاندماج ثانية في المجتمع.
وفي حال عدم توصل الأطراف إلى اتفاق فيما بينهم، ينبغي أن تعاد القضية ثانية إلى العدالة الجنائية العادية، وأن يبتّ فيها وفقاً للمعايير الدولية لقضاء الأحداث. وتشمل آلية عمل برامج العدالة التصالحية تطبيق عدة نماذج يبرز فيها دور المجتمع بكامل هيئاته وهي كما ورد في الدليل التدريبي الصادر عن الأمم المتحدة:
1- برامج الصلح/الوساطة بين المعتدي والضحية: حيث يتم استخدام الوسطاء للجمع بين ذوي الطرف المخالف للقانون والضحايا لمناقشة الجريمة، وما تبعها، والخطوات اللازمة لتصويب الوضع.
2- برامج الاجتماعات العائلية: وهي شبيهة بالصلح/الوساطة بين المخالف للقانون والضحية، ولكنها تختلف من حيث أنها لا تعمل على إشراك الضحية والمخالف للقانون فحسب، بل تفسح المجال لمشاركة أسرة كل من الضحية والمعتدي.
3- مجالس المجتمع المحلي الإصلاحية: تجمع بين المخالف للقانون والضحية ومجموعة من الأفراد من المجتمع المحلي لمناقشة الجريمة التي وقعت وأثرها على الضحية والمجتمع والعقوبة المناسبة.
4- اجتماعات الجلسات المستديرة: عبارة عن اجتماعات ميسرة يحضرها المخالفون للقانون والضحايا وأصدقائهم وأسرهم وممثلين عن المجتمع المحلي، كما يحضرها في العادة ممثلون عن أركان العدالة، وأشخاص تلقوا تدريبات حول عقد هذه الاجتماعات بأمر من المحكمة.

وتجدر الإشارة إلى أنه عند قرار التحويل إلى برنامج العدالة التصالحية من قبل القضاء، يجب أن يتم مراعاة شروط التحويل وكافة مستلزمات هذا الإجراء، والأخذ بعين الاعتبار طبيعة الفعل المجرم وشخصية الطفل وظروفه الاجتماعية وأمن المجتمع، ومحاولة إيجاد التوازن المطلوب بين هذه العناصر، حيث أنه يوجد الكثير من الحالات تكون إجراءات العدالة الجنائية هي الأصلح للمحافظة على أمن المجتمع، ولا يمكن تحويل هذه الحالات إلى برنامج العدالة التصالحية لعدم توافر شروط تطبيقها، كما وتجدر الإشارة إلى أن من حق المجني عليه والطفل في خلاف مع القانون وذويه أو الوصي التشاور مع مستشار قانوني بشأن العملية التصالحية كحق أساسي للطرفين، وإعلام ذوي الطفل أو الوصي بكافة الإجراءات التي سيتم إتباعها بشأن العملية التصالحية وأخذ الموافقة منهم. وحق أطراف العلاقة (الطفل ووالديه أو الوصي والمجني عليه) بالإطلاع على حقوقهم وطبيعة العملية التصالحية والنتائج التي يمكن أن تترتب على قرارهم.
كما لا يجوز إرغام هؤلاء الأطراف على المشاركة في العملية التصالحية أو قبول النتائج التصالحية المترتبة على هذه العملية، أو دفعهم إلى ذلك بوسائل مجحفة أو بالإكراه، كما يجب أن تكون تحت غطاء قانوني يشرف عليه القضاء، أي العودة للقضاء المختص للتصديق على العملية التصالحية واعتمادها كقرار قضائي في حال موافقة الطرفين النهائية، بحيث يكون لناتج العدالة التصالحية نفس قوة الحكم القضائي، وفي هذه الحالة يحول القبول بقرار العدالة التصالحية دون الملاحقة القضائية من قبل العدالة الجنائية بشأن نفس الوقائع.
وخلاصة القول ينبغي تكثيف كل الجهود وضمان تكامل الأدوار المؤسساتية والمجتمعية، الرسمية والأهلية لتحقيق كل الاحتياجات للأطفال في نزاع مع القانون على أكمل وجه، تحقيقاً لإعادة هذا الطفل فرداً فاعلاً في أسرته والمجتمع، وهذا يعني ضرورة العمل على تأسيس نظام قضائي متخصص للأطفال في نزاع مع القانون، بحيث يقوم بدوره بفاعلية في رعاية الطفل والحفاظ على حقوقه في الحماية وفي المحاكمة العادلة، وبالتوازي ضرورة التأسيس للعدالة التصالحية لإتباع نهجها في بعض القضايا بما يتوافق مع كرامة الطفل ومصلحته الفضلى.