مشاركة الأطفال



ترسخ مفهوم مشاركة الأطفال خلال الأعوام القليلة الماضية على مستوى الإدراك والممارسة في ذهن الحقوقيين والمهنيين والعاملين في صياغة الخطط الوطنية، ومقدّمي التقارير والباحثين والدارسين، ليعبّر عن تضمين وجهة نظر الأطفال في قضاياهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم ومستقبلهم وأولوياتهم واحتياجاتهم، وفي المعلومات التي تتحدث عنهم، وتعزيز قدراتهم وتمكينهم من التأثير في القرارات التي تمسهم، لضمان عالم أكثر إيجابية تجاههم وجدير بهم بحقّ، وذلك انطلاقاً من التعامل مع الأطفال على أنهم أطفال شركاء في التغيير والتنمية وأصحاب حقوق، وليسوا موضوعاً للإشفاق أو الأحسان.

فالمشاركة تُعتبر (إلى جانب المساءلة والعالمية وعدم التمييز وعدم القابلية للتجزئة) واحدة من مبادئ النهج القائم على حقوق الإنسان، والذي يشكل أساساً لاتفاقية حقوق الطفل، كونها تعبر عن إيجاد فرص لتعزيز قدرات وإمكانيات الأطفال للاشتراك في الأعمال والقرارات التي تمسهم، وبذلك فهي تضمن لهم الحق في حرية التعبير، وحرية الفكر والوجدان، وحرية تكوين الجمعيات، والاجتماع السلمي، والحق في الحصول على المعلومات، والحق في تعبير الأطفال عن آرائهم في كافة القضايا المرتبطة بهم.

وتعد المشاركة إحدى المبادئ التوجيهية لاتفاقية حقوق الطفل، إلا أنها تعتبر إلى حد ما أكثر جدليةً أو أصعب تطبيقاً من غيرها من التدابير المستندة للمبادئ الأساسية للاتفاقية، نظراً لكون خبرة المجتمع بحقوق الطفل في المشاركة أقل مقارنةً بخبرته في مبادئ البقاء والنمو والحماية.

ولا تنص الاتفاقية الدولية صراحةً على أن للأطفال الحق في "المشاركة"، إلا جزئياً باعتبارها هدفاً للأطفال ذوي الإعاقة في المادة 23. إلا أن الاتفاقية تشير إلى "القدرة المتطورة للأطفال في صنع القرار"، وهو مفهوم ثوري في القانون الدولي، أثّر في ممارسة المنظمات العاملة في ميدان الطفولة خلال العقدين الماضيين.

وقد ركزت معظم السياسات التقليدية على الرفاه، باعتبار الأطفال متلقّين سلبيين للرعاية والخدمات، لا أشخاصاً فاعلين في الحياة العامة. وقد تمّ تنفيذ الكثير من التدخّلات بالنيابة عن الأطفال بدلاً من إشراكهم في تنفيذها، دون اعتراف صريح بهم وبفاعليتهم اجتماعياً وسياسياً، كونهم في معظم البلدان لا يصوّتون في الانتخابات، وبالتالي هم في معظم الأحيان خارج  دائرة صنع القرار.

اهتمام الأمم المتحدة بمشاركة الأطفال

عملياً بدأ اهتمام الأمم المتحدة بمشاركة الأطفال والاستماع لآرائهم في عام 2002، كأحد الأحداث البارزة في قمة "عالم جدير بالأطفال" التي جاءت بمشاركة 400 طفلاً من أكثر من 150 دولة. التطور الآخر كان في عام 2006، في دراسة للأمين العام حول العنف ضد الأطفال، وهي الدراسة الأولى التي تجريها الأمم المتحدة بالتشاور مع الأطفال لتبيان آرائهم وتوصياتهم وإدماجها. ثم شهد عام 2008 التطور الأبرز في هذا المجال، من خلال مشاركة الأطفال في المؤتمر العالمي الثالث لمناهضة الاستغلال الجنسي في البرازيل.

وقد تبنّت لجنة حقوق الطفل مؤخراً التعليق العام رقم 12 حول حق الطفل في أن يكون صوته مسموعاً، وهي المرة الأولى التي تصدر فيها لجنة حقوق الطفل تعليقاً حول أحد المبادئ التوجيهية للاتفاقية، ومن أهم هذه التعليقات:
حسب المادة 12 من اتفاقية حقوق الطفل بعنوان "تكوين الآراء": يتاح للطفل بوجه خاص فرصة الاستماع إليه في أي إجراءات إدارية وقضائية تمسّ الطفل بشكل مباشر، أو من خلال هيئة ممثلة. ومن هنا علّقت اللجنة على أن يتم توفير تدريب لتشجيع الحقوق التشاركية للأطفال لفئة قضاة المحاكم الأسرية ومحاكم الأحداث، ومراقبي السلوك، والشرطة والمعلمين وكوادر الصحة.

تبعاً لذلك، يتمتّع الأطفال بحق اﻻستماع إليهم في مجالات الإجراءات الجنائية، والإجراءات المدنية، والتعليم، والصحة، وحماية الطفل، والرعاية البديلة، والمراجعة الدورية للإيداع، والتشغيل، وتقديم الشكاوى، والإعلام، وقضايا التخطيط والإسكان والبيئة.

وتتمثل الآثار الإيجابية لممارسة الأطفال لحقهم في المشاركة في اكتسابهم للعديد من المهارات الحياتية، وتعزيز قدرتهم على التكيف مع مختلف الظروف، وتعريفهم بالخدمات العامة، وتقوية مبادرتهم لمشاركة أوسع، وتعزيز حسهم بالمواطنة، وتمكينهم من مقاومة العمليات التي تؤدي إلى الإساءة إليهم.

من هنا، جاء الاهتمام بموضوع مشاركة الأطفال للتعرّف وبعمق وعن قرب على أفكارهم وأولوياتهم ومبادراتهم تجاه احتياجاتهم، وفحص إمكانية مساهمتهم لإحداث تغييرات إيجابية في حياتهم، على اعتبار أن عمليات التنمية تكون أكثر فائدة وأكثر ديمومة وفاعلية عندما يشارك المستفيدون في كافة عملياتها، من تخطيط وتنفيذ وتقييم ومراقبة ومراجعة وإعادة بناء. كما أن التمكين والتدريب الفردي هو وسيلة لإعمال وتنفيذ حقوق الطفل والإنسان.

وفي سبيل تفعيل حق الأطفال في المشاركة، يجب تعديل الظروف وفق سن الطفل ونضجه لتسهيل تعبيره عن رأيه، وإزالة كافة المعوّقات التي تحول دون ذلك. ويعتمد تفعيل المشاركة على قدرات الطفل النامية، وانفتاح ودور الآباء والأمهات والمجتمع المحلي، والجهات المعنية المستعدة لأخذ آراء الطفل على محمل الجد.

مشاركة الأطفال عبر الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال

تظهر مشاركة الأطفال من خلال عمل وحدة التفعيل المجتمعي، ضمن برنامج الحماية والتفعيل المجتمعي. إذ تعمل الوحدة بمشاركة حقيقية وفاعلة للأطفال من خلال الجسم الذي نجحت في إطلاقه خلال عام 2011 وهو مجلس أطفال فلسطين، والذي يتشكل من سكرتاريا منتخبة وهيئة عامة تمثل بيئات متنوعة وغنية وتحمل خبرات متعددة تمثل واقعهم وحياتهم.

ولعلّ إحياء فعاليات يوم الطفل الفلسطيني ويوم الطفل العالمي، وتعزيز مشاركة الأطفال في المبادرات الحقوقية ونشرها، وتوفير المساحة الملائمة للمؤسسة للتعبير عنها سواء في المؤتمرات الوطنية أو الدولية أو في النشرات الداخلية للمؤسسة (الأيدي الصغيرة) هي مؤشرات على مشاركة الأطفال.